نشر بتاريخ سبتمبر 28, 2010
القلم أمانة والصحافة اعلام يحمل رسالة مقدسة لا يستطيع كل من انتمى لها حملها، وصحافة البحرين منذ بداياتها على أيدي روادها الأوائل أمثال المرحوم محمود المردي وحسن الجشي وعبدالله الزايد وإبراهيم حسن كمال كانت حركة تنويرية بالإضافة الى كونها ودعاء ناقل للمعارف والعلوم والآداب والفنون والتنوير أيضاً، رغم كون صحافة الأمس قليلة العدد، صعبة الظروف، بعكس صحافة اليوم، حيث بلغ عددها ست، وتقدمت الاجهزة والمعدات التي تخرجها بفضل التقدم التكنولوجي، الا انها ابتليت بغيث ردئ من الاقلام الدخيلة والمتطفلة، مما ينبئ بإفشال دورها الرقابي والتنويري، والإسهام في تكريس المزيد من التخلف السياسي وتمييع الدور الاعلامي، في هكذا ظروف برز قلم الاعلامية الصاعدة لميس ضيف خلال السنوات الأخيرة ليعيد للصحافة المحلية مكانتها ورسالتها التي كادت ان تسهم في السلبية والظلامية.
"العهد" التقت صاحبة القلم المتميز بالأمانة والصدق والشجاعة والجرأة وحاورتها عن بعض القضايا ذات العلاقة بالصحافة المحلية ودورها الحضاري والتنويري.
أصعب الأسئلة
- من هي لميس ضيف، ومتى بدأت مشوارها الصحفي؟
* سؤالك هذا من أصعب الأسئلة التي وجهت لي، وهنا استحضر مقولة المهاتامى غاندي ابو الهند القائل "مضيت أكثر من نصف عمري في فهم شخص واحد الذي هو أنا"، عموما سأجتهد في الإجابة بالقول أني إعلامية، صاحبة مشروع وطني وفكري، رسخته خلال السنوات الماضية من حياتي، مؤسسة أرضية جماهيرية تتيح لي تحقيق هذا المشروع والاستمرار فيه لخدمة الوطن وشعب البحرين الغالي.
علاقتي بالصحافة بدأت مبكراً، منذ كنت في المدرسة الثانوية تحديدي إذ قادني طموحي الى صحيفة صدى الأسبوع التي كان يديرها آنذاك السيد علي سيار، وبعد تخرجي من الثانوية سافرت لدراسة الإعلام والعلوم السياسية بجامعة الكويت وواصلت خلال تلك الفترة العمل – بشكل غير منتظم- في صحيفة الرأي العام وصحيفة القبس – تضحك- وكما ترى استهلكت فترة مراهقتي، ومطلع صباي في بناء الذات، حيث العمل الصحفي في المساء، إضافة الى دراستي الجامعية في الصباح.
لو لم أكن إعلامية لكنت محامية أو استاذة جامعة
"العهد" لو رجعت بك الأيام إلى الوراء حيث لم تكوني إعلامية بعد، فماذا ترغبين ان تكوني؟
- غالباً سوف أكون محامية او استاذة جامعية، خصوصاً واني قد مارست التدريس في الجامعة، ووجدت فيه متعة استثنائية. كما أن المحاماة تناسبني أيضاً وأمارسها – بشكل أو بآخر- من خلال عملي هذا.. وهناك تشابه كبير بين العمل الإعلامي والعمل في المحاماة او التدريس الجامعي، فكل تلك المهن تحمل قضية إنسانية، تحمل في طياتها معاناة ومكابدة وإصرار على النجاح وقبول التحدي، ففي أثناء تدريسي في الجامعة رغم صغر سني، الا انني بذلت الكثير من الجهد وعانيت المشقة من أجل رفع مستوى الطلاب والطالبات ومساعدتهم علي اجتياز العقبات التي كانت تواجههم، في البيت أو الجامعة.
"العهد" هل تعتقدين ان لصحافتنا المحلية الحالية دور توعوي تنويري رائد، كما كان لصحافة الأمس؟
* أنا لم أعش صحافة الأمس، ولا أدعى أني اطلعت على إنتاجها كله رغم أني ملمة بكتابات بعض رجالاتها كعلي سيار ، حسن الجشي،، عبدالله الزايد، تقي البحارنة، علي سيار، أحمد يتيم، إبراهيم علي إبراهيم، محمد قاسم الشيراوي وغيرهم.
ولكني استطيع ان اتحدث عن صحافة اليوم وأقيمها، وهي في نظري مازالت تفتقد الى البوصلة، مما جعل دورها الاعلامي، غير واضح المعالم، لذا فهي مازالت مقصرة إعلامياً، ونحن نمر في البلاد اليوم بمرحلة وطنية حرجة نحتاج خلالها إلى صحافة عالية المهنية، عالية الشفافية، عالية المصداقية. صحافة تحمل قضية، تعكس آمال الناس وآلامهم وطموحهم، صحافة تنور وتزود بالمعرفة، صحافة تخلق سجال سياسي غايته رفعة الوطن، صحافة لا تمالي، ولا تجير ولا تضع مصلحتها ومصلحة القائمين عليها فوق مصلحة الوطن وأهله. وأصدقك القول أني محبطة من صحافة اليوم لما تقوم به من تكريس للتخلف وتشويه الحقائق وحرث الطائفية وتعميق التمييز ونشر ثقافة الإقصاء.
صحافتنا اليوم تلعب دوراً كبيراً، ولكنه مشوش، اخترقت الجماهير من منطلقات سياسية، ولكون هذه الصحافة غير مستقلة، وتبعيتها واضحة المعالم والانطلاقات، تتوزعها عدة أطراف، مما يجعل القارئ مشوه التفكير والموقف، ولهذا فهي تعمل على تشطير المجتمع، من جهة وتشتيت فكره ورؤياه للقضايا الوطنية الملحة من جهة أخرى، وهذا يعني ان دورها أما سلبي أو خطير جداً، ان المؤسسات الصحفية يجب ان تكون مؤسسات اعلامية، لا أن تتحول إلى أذرع للمؤسسة الرسمية، أو الأحزاب والجمعيات السياسية، مما جعلها إداة تابعة للسلطة أو للمؤسسات الأهلية.
الصحف المحلية لا تقوم بدور إعلامي
"العهد" ما هو تعليقك على تجاهل الصحافة المحلية للفعالية الأخيرة التي أقيمت في قرية القدم تحت شعار "بسنا تجنيس" والتي أقامتها ست جمعيات سياسية هي الوفاق، وعد، الإخاء، العمل الإسلامي، المنبر التقدمي و والتجمع الديمقراطي، إذا استثينا صحيفة الوسط التي قامت بتغطية هذه الفعالية؟
* ما سبق ذكره، سيدي الفاضل هو برهان على ما ذكرته، وهو ان الصحف المحلية الآن لا تقوم بأداء دور إعلامي، بل هي تلعب دورا سياسيا وتنحاز لأجندات سياسية.. وبعضهم يتمادى في هذا الدور فيلعب دور المحرض على أشخاص أو جهات عرفت بالمواقف الوطنية وإثارة العداء على أخرى عبر تشويه صورتهم بشكل مكثف من خلال إخفاء الحقائق ونشر الأوهام، وكل تلك أخطاء مهنية لا تغتفر
. تسئ إساءة بليغة إلى الصحافة والقائمين عليها.
- "العهد" ما رأيك في مشروع قانون الطباعة والنشر المعروف بقانون الصحافة؟
* لقد عبرنا مراراً وتكراراً عن رأينا في هذا المشروع، ولا أريد ان أكرر ما سبق وقلته، ولكني سأكتفي بالقول، أنه لا يمكن لصحافة حرة ان تبدع تحت ظل قانون يساوي بين الصحفي والمجرم، ويضع الصحفي وتاجر المخدرات في زنزانة واحدة، ولذا فإن ملف مشروع هذا القانون لو مرر، ستكون رسالة واضحة للصحفيين بأن حرية الرأي غير مرغوب فيها، وان الصحافة يجب أن تكون تابعة للسلطة – لا سلطةً في ذاتها- وأن المطلوب من الإعلاميين أن يكونوا حاشية وموظفي علاقات عامة يمارسون أدوارهم المفتعلة م خلال كتاباتهم وهو دور نربأ بالزملاء عنه.
• ولكن البعض لاشك يستحق المحاسبة ؟
نحن لا نرفض العقوبات بالمطلق. ولا ننكر بالطبع وجود بعض التجاوزات عند بعض الصحفيين نتيجة قلة خبرة أو تواضع المبادئ. ولكن الحل ليس بحبس الصحفي، أنما بفرض عقوبات مثل إيقافه عن العمل أو تغريمه مبلغاً مالياً، ليأخذ صاحب الحق المدني حقه ممن اساء إليه، وإنما ونحن نناشد المشرعين والنواب هنا ألا يضعوا السيف على رقبة الصحفي. خصوصاً أن تلك العقوبات لن تطال ذوي الأقلام المسمومة بل ستطال بكيدية القابضين على جمر مصلحة الوطن. فمن زجوا في الحقل الإعلامي لخدمة أجندات سياسية لن يطالهم السياط لأن لديهم ظهوراً.. بل سيطال أصحاب الهموم الوطنية وستذكرون يوماً ما سنقول.
أسباب توقف بعض الصحف في الفترة الأخيرة
"العهد" بماذا تفسرين توقف بعض الصحف عن الصدور مؤخراً أين الخلل؟
* هناك صحف مغضوب عليها، ربما لكونها عصية على التطويع والترويض، ولهذا فهي تحارب وتقاطع وتصفي إعلامياً وإعلانياً، وهذا تماماً ما حدث لصحيفة الوقت، وهناك صحف أخرى توقفت عن الصدور لأنها لا تغني ولا تسمن من جوع. وهناك بعض المطبوعات التي نشأت على ان تكون مستقلة، إلا ان الظروف في البحرين لا تسمح بالاستقلالية في مجتمع منشطر لمعسكرين..
كما أن هناك مشكلة أخرى تقنية أدت لما ترونه اليوم.. وهي أن الطاقات الإعلامية المبدعة والمتمكنة في البحرين ليست كثيرة بحيث تغطي حاجة هذا الكم من الصحف وهو ما أضر الصحف والصحافة ملياً.. ما يدفعنا للاعتقاد أن من فتح الباب لهذا الكم من الصحف في بلد صغير كالبحرين إنما كان يفكر في تدمير الصحافة لأن القدرات الإعلامية تشتتت كما أن السوق الإعلاني الصغير في البحرين جعل الوضع خانقاً بالنسبة للصحف ما دفعها لتقديم تنازلات مهنية وفنية..
المشكلة الأعقد هي أن الصحف – بسبب هذه المعادلة- اضطرت ان تستعين بأناس لا علاقة لهم بالصحافة ، فاصبحت الصحافة مهنة من لا مهنة له، وأصبحت الصحافة لدينا قائمة على ما يصفهم الأشقاء في لبنان " بالدبابير ". الصحافة البحرينية طعنت من الداخل باختصار ونسأل الله الفرج.
"العهد" يقول الكاتب محمد العثمان بان صحافة اليوم تسهم في تكريس التخلف السياسي وتشوه صورة البحرين ووجهها الحضاري، وتكريس الطائفية، فما رأيك في ذلك؟
* أوافق الزميل فيما ذهب إليه بالتأكيد، ولا أنفي أن هناك شخصيات وأقلام مزروعة في الصحافة، تلعب - بسوء نية وخبث- أدواراً تخريبية وتعبوية خطيرة، وهم ليسوا بصحفيين بقدر ما هم أذرع إعلامية لتيارات وجهات.
الرقابة الصحفية ستنتهي عاجلاً أو عاجلاً
"العهد" كيف تعدي عمودك الصحفي الأسبوعي وكيف حدثت نقلة نوعية فيه ما بين العمود في الصحيفة الأولى التي كنت فيها والثانية وهي الوقت؟
* بدأت كتابة عمود أسبوعي منذ زهاء خمس سنوات، في السنوات الثلاث الأولى كنت في جريدة مقربة من السلطة وكنت مكبلة لهذا السبب، وفي السنتين الأخيرتين انطلقت من خلال صحيفة الوقت " وكانت هناك قيود أيضاً، أنما اخف وطأة بكثير من الأولى، أما عندما توقفت الوقت، فقد بدأت تجربة من نوع آخر، حيث بدأت أكتب عموداً أسبوعياً كل أربعاء من خلال موقعي الالكتروني ودعيت الناس للتسجيل فيها وكنت أطمح لـ300 أو 400 أسم لا أكثر ولكني فوجئت بآلاف المشتركين الذين ساعدوني في نشر مقالاتي على نطاق واسع ما يثبت أن الكلمة الحرة لا تعوزها الوسيلة.. فشنق الكلمة الصادقة وخنق الصحافة الحرة ليس بممكن في وجود وسائل الاتصال الحديثة .
• كيف تكتبين أعمدتك بهذا الإتقان والروعة والدقة ؟
في الحقيقة أنا احترم عقلية القارئ والدقائق الخمس التي يقضيها في القراءة لي لذا أكتب العمود بتركيز..أجمع المعلومات وأتقصى الحقائق وأبحث وأحلل وأجمع الشواهد وارجع الى العديد من المصادر والمراجع وبنوك المعلومات، ثم أكتب العمود الذي يخدم الهدف، ويخدم القضية القارئ يستطيع أن يرى الجهد الذي تبذله ويقدره.. وعموماً ليكون المقال مؤثراً يجب أن يكون مشغولاً بعناية وهذا ما أسعى إليه.. أخبرني مسئول رفيع ذات مرة أنه متعجب لأن مفعول مقال كتبته عنهم لازال مستمراً رغم مرور 4 أشهر على نشره.. وكل هذا لأن المعلومات التي وردت فيه كانت دقيقة بالشكل الذي أثر على المدى الطويل على سير الرقابة على التوظيف الوزارة.
• تكتبين خارج البحري الآن في عدة صحف خليجية .. فمتى نراك في صحف البحرين مجدداً ..؟
بعد ان توقفت "الوقت" أردت أن آخذ إجازة لالتقاط الأنفاس ، سيما أني مرتبطة بعمل في صحف خليجية، ولكن القراء لم يتركوني وألحوا عليّ للاستمرار لذا خصصت البحرين بمقال تجاوز عدد المشتركين فيه الآن الأربعة آلاف، وهم في ازدياد وهذا الإقبال لم يأتِ من فراغ ، بل من الاحترام المتبادل بيني وبين القارئ.. في عودة لسؤالك حول الانتساب لصحيفة بحرينية فالفكرة مطروحة بالطبع وكل شيء في أوانه. فأنا بصدد الانتهاء من بعض المشاريع وسأتفرغ بعدها للكتابة اليومية المحلية مجدداً
"العهد" ما هي قصتك مع جمعية الصحفيين البحرينية، وهل نقابة الصحفيين هي البديل بالنسبة لك؟
* جمعية الصحفيين مختطفة للأسف ولم تعد تمثل إلا إدارتها التي وصل عدد من شخوصها لمواقعهم بطرق جد ملتوية . وهي تكابد للبقاء على الساحة وتتخبط في قراراتها ومشاريعها جاهدةً للتقرب للجسم الصحفي بلا جدوى، لأن هناك شرخاً بين الجمعية والصحافيين بسبب جملة ممارسات وذنوب فردية .
شخصيا عندما دخلت الجمعية مع بعض الزملاء في الانتخابات الأخيرة كنا نطمع في معالجة القصور الحاصل بها وتغيير بعض الأخطاء التي تجذرت. إلا إننا وجدنا أنه من المستحيل إصلاح ما أفسده الدهر لوجود إدارة تدير حروبها بخبث وخفاء ، فجمدنا عضويتنا تمهيدا للاستقالة إلا ان الإدارة أوحت لنا من خلال وسطاء انها سوف تعالج القصور، ثم – وكعادة بعضهم في تصفية الحسابات بالخفاء والأساليب الملتوية، اتخذوا قراراً بـ" اعتبارنا مستقلين" . أما نقابة الصحفيين فهي أفشل من الجمعية، وهي عنوان بلا عمل وبطولات من ورق..
• كلمة أخيرة من الكاتبة ..
- أشكرك على اللقاء.. وتأكد بأني سأحارب في سبيل ما أؤمن فيه.. وفي سبيل أن أقدم نموذجاً للأخريات ليحتذين به في الصمود من أجل المبدأ والتفاني في أداء الواجب المهني والإنساني